الالخرطوم – محمد الأقرع
لكل مدينة في السودان حكايا وأساطير عن النشأة والتكوين وسمات وأساليب حياة خاصة بها، لكن تظل مدينة الخرطوم رغم حروبها وعثراتها هي صاحبة الرواية الأمتع ونمط الحياة الأكثر التصاقا بالمدنية سيما أنها خليط لثقافات متعددة وامتداد لحضارات ضاربة في القدم.
تقع الخرطوم – عاصمة السودان – عند نقطة التقاء النيل الأبيض بالنيل الأزرق (المقرن) ليُشكلا معاً شمالاً نهر النيل، وتعرف بالعاصمة المثلثة – الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان – وهي مركز الحكم في البلاد وتوجد فيها دواوين الدولة الرئيسية وقيادة الجيش ومقار البعثات الدبلوماسية الأجنبية والأسواق الضخمة والمطار الدولي.
وتتموضع الخرطوم في الجزء الشمالي الشرقي من أواسط البلاد، بين خط العرض 16 درجة شمالاً وخط العرض 15جنوباً وخطي الطول 21 درجة غرباً و24 درجة شرقاً في مساحة تقدر بـ(20736) كيلومتر مربع، وتحدها عدد من الولايات “ولاية نهر النيل، الولاية الشمالية، كسلا، القضارف، النيل الأبيض، الجزيرة، شمال كردفان”.
وتمثل نقطة التقاء النيلين المعروفة محليا ب(المقرن) ظاهرة طبيعة في غاية الادهاش، حيث تلتقي مياه النيل الأزرق المنحدرة من الهضبة الأثيوبية والمشبعة بالطمي مع مياه النيل الأبيض – شبه الصافية – المنسابة من بحيرات أفريقيا العظمى وتسير جنباً إلى جنب قبل أن تختلط ويكونا نهر النيل.
في منطقة المقرن – قلب الخرطوم – توجد جزيرة “توتي” التي تتوسط مدن العاصمة الثلاث، وارتبطت هذه الجزيرة بالعديد من الأساطير والحكايات منها ماهو سائد لدى الأهالى وبعض المؤرخين بأنها المكان الذي التقى فيه النبي موسى بالعبد الصالح الخضر بوصفها – الصخرة عند مجمع البحرين – النيلين الأزرق والابيض”.
تأسست الخرطوم كمدينة حديثة على يد الجيش التركي المصري في عهد الخديوي محمد علي باشا عندما سعى لضم السودان إلى ملكه في العام 1821م واتخذها الأتراك في البداية معسكرا لجيوشهم ثم تحولت إلى عاصمة لهم في العام 1824م.
لكن يؤكد بعض المؤرخين أن تاريخ الخرطوم كمستوطنة بشرية يعود إلى عصور سحيقة أو منذ 400 سنة قبل الميلاد ويستدلون بالعثور على أدوات تعود إلى العصر الحجري في منطقة خور أبوعنجة بمدينة أم درمان بالإضافة إلى بقايا آثار لمستوطنات يرجع تاريخها إلى عهد مملكتي نبتة ومروي في الفترة من 750 قبل الميلاد إلى 350 بعد الميلاد.
ويذكر أن الخرطوم لم تكن تبعد عن مدينة سوبا عاصمة مملكة علوة المسيحية في القرن السادس عشر الميلادي – 24 كيلومتر – بل يوثق البعض أنها بشكلها الحديث قامت على أنقاض سوبا نفسها، حيث نقل الأتراك الطوب والأحجار ومعدات البناء منها وكونوا اللبنة الأساسية لمدينة الخرطوم الحديثة.
ويدور جدل بين المثقفين حول أصل تسمية مدينة الخرطوم فهناك من يرى أن الاسم يتعلق بموقع المدينة عند التقاء النيلين وافتراع نهر النيل منهما بما يشبه خرطوم الفيل، بينما يرجع آخرون التسمية إلى أنّ الرومان بعد أن غزو مصر، قاموا بإرسال حملة صليبية إلى السودان، ووصلوا موقع مدينة الخرطوم حالياً، وقد وجدوا نبات دوار الشمس، وأطلقوا عليه اسم القرطم (بالإنجليزية: Gurtum)، وقاموا باستخدام بذوره للحصول على زيته لتضميد جراح الجنود، ومع مرور الوقت أصبح اسمها الخرطوم.
ويقول البعض أن الخرطوم ليست علما لمكان محددة وانما هناك حوالي سبع مواضع على نهر النيل ورافده النيل الأزرق تحمل نفس الأسم (الخرطوم) أو على وجه الدقة الخرتوم أو الكرتوم والرابط المشترك بين كل تلك المواقع توجد صخور صماء تعترض مجرى النهر.
ويجدر الإشارة إلى أن المراجع العربية القديمة مثل القاموس المحيط أو لسان العرب فسروا كلمة “كرتوم” – التي حرفت إلى الخرطوم وفق مؤرخين – بأنها الجبل القصير أو صخرة في مسير الماء.
في سياق التسمية كذلك هناك بعض الروايات الشعبية التي كانت متداولة من قبل الجنوبيين – جنوب السودان – بالأخص قبيلة الشلك الذين يقولون إن أصل الاسم هو “كار توم” التي تعني بلغتهم بلد “الدلاليك” – الطبول – والغناء.
تعتبر قبائل الجموعية والعبدلاب والمحس من سكان الخرطوم الأصليين الذين توزعوا في عدد من المناطق على شواطئ النهرين “الأبيض والأزرق” والنيل ومن أشهرها “بري، توتي، الفتيحاب، حلة حمد، شمبات، الحلفايا، الجريف، العيلفون في أقصى الجنوب الشرقي”.
أبان الحكم التركي والمستعمر الإنجليزي ولاحقا الحكومات الوطنية، توسعت العاصمة السودانية وضمت أحياء ذات نمط حديث، مثل “الخرطوم شرق، الخرطوم 2، الخرطوم 3 ومن ثم تمددت أكثر لتشمل أحياء شرق الخرطوم حتى سوبا جنوبا، والديوم الشرقية، الديوم الغربية، الشجرة، العزوزاب، الصحافة، جبرة والكلاكلات حتى جبل أولياء هذا فيما يتعلق بمدينة الخرطوم.
أما الخرطوم بحري فقد تمددت حتى منطقة الجيلي شمالا وضمت الحاج يوسف وشرق النيل على الضفة الشرقية لنهر النيل الأزرق.
مدينة أمدرمان التي تقع على طول الضفة الغربية لكل من نهر النيل والنيل الأبيض، تعتبر الضلع الأبرز في العاصمة المثلثة وتمتاز بهويتها الخاصة وسيرتها التاريخية الطويلة لكن بنشأتها الحديث هي وليدة الدولة المهدية، وهي الآن تعد أكبر مدن الخرطوم وتضم منطقة الفتيحاب والأحياء القديمة “ابو روف، العباسية، ودنوباوي، العرضة، حي العرب، بيت المال ..الخ” بالإضافة إلى أمبدة وأمدرمان الكبري والثورات وامتدادات كرري.
تغيب المعلومات والأرقام بشأن العدد الحقيقي لسكان ولاية الخرطوم لكن ووفقاً لتقديرات غير رسمية يفوق العدد الـ(12) مليون نسمة بما يقارب ربع سكان البلاد، وسبق أن قال أحد ولاة العاصمة إن عدد اللاجئين والأجانب من دول الجوار يعادل (3) ملايين نسمة.
الهجرة من الريف إلى الخرطوم لم تتوقف منذ نشأتها، وفي بداياتها كانت المدينة تجتذب الأثرياء والمتعلمين لكن وفي الحقبة الأخيرة شهدت حركة نزوح ضخمة نسبة لاندلاع الحرب في عدد من الأقاليم الطرفية بالبلاد و احتكارها لخدمات التعليم الجيد والمستشفيات الكبرى وغيرها من الحاجيات الضرورية التي لايجدها سكان الأقاليم والقرى في مناطقهم.
موجات النزوح التي اجتاحت العاصمة، كانت سبباً في ترهلها وتمدد المساكن العشوائي وتدهور قطاع الخدمات وساءت حالتها لدرجة أن بعضهم رفع مطالبات بإنشاء عاصمة بديلة لصعوبة إصلاح الأوضاع في الخرطوم.
تتمتع الخرطوم بعدد وافر من المعالم السياحية والأثرية ففي الشمال الأقصى يوجد شلال السبلوقة الخلاب بمناظره الطبيعة وفي أقصى الجنوب يوجد خزانة “جبل أولياء” الذي يعد مزاراً يقصده الأهالي لترويح والمؤانسة، هناك أيضا الطوابي ـ خط دفاعي مبني من الطين على شاطئ النيل بأمدرمان ـ والتي تحكي عن سيرة مواجهة وصمود الجنود السودانيين للمستعمر الإنجليزي، هناك وآثار وبقية مملكة علوة في سوبا جنوبي الخرطوم، كذلك تضم المدينة معالم مثل جامعة الخرطوم، والمتحف القومي، والقصر الجمهوري، المطار الدولي، مقابر الأتراك، وعدد من مزارات شيوخ الطرق الصوفية وقبابهم على امتداد المدينة.
في قلب الخرطوم وبالقرب من تقاطع شارع القصر ـ فكتوريا سابقاً ـ مع شارع البلدية من الناحية الجنوبية الغربية ينتصب مقام “أبوجنزير” ذلك القبر التي تدور حوله العديد من الأساطير والروايات في تحدي الطغاة، وقد تعرض إلى عدة محاولات للهدم والإزالة إلا أنها فشلت جميعاً، مما أعتبروه بعض الأهالي دليلاً على صلاح صاحبه واتخذوه مكاناً للتبرك.
لعبت الخرطوم أدواراً تاريخية في محيطها العربي والإقليمي فهي عاصمة اللاءات الثلاث “لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بأسرائيل” التي تحلق حولها العرب عام 1967م في مواجهة المحتل الصهيونية، كما لعبت المدينة دوراً مهماً وداعماً للحركة التحرر الإفريقية، فقد زارها الثائر العالمي “تشي جيفارا” وأيقونة النضال الأفريقي نيلسون مانديلا وغيرهم.
شهدت المدينة طوال تاريخها العديد من الحروب والغزوات باعتبار أنها ظلت على الدوام مركزاً للسلطة، ولعل ذلك ترك آثاره على الطراز المعماري بل وقد حملت العديد من أحيائها أسماء معارك أو قادة عسكريين.
تحرير الخرطوم من قبل الثورة المهدية في العام 1885م كان الحدث الأبرز في تاريخها الحديث، فقد احتاجت جيوش الأمام محمد أحمد المهدي المدينة وقامت بتحريرها من قبضة الحكم الثنائي ـ التركي ـ المصري ـ بعد حصار مطول ومعركة مشهوده، قطع فيها رأس “غردون باشا” الحاكم العام للسودان وقتها، لتشهد بعدها عملية نهب وتخريب واسعة وحالة من الإهمال خاصة بعد حذر المهدي أنصاره من عدم المكوث فيها واتخذه لـ”أمدرمان” عاصمة بديلة.
بعد الثورة المهدية عاشت الخرطوم أوضاعاً مأسوية لسنوات، قبل تشهد معارك جديدة قادها المستعمر الإنجليزي الذي استعادة المدينة وإعادة تعميرها مرة أخرى على طراز حديث صاحبته طفرة عمرانية وانتعاش اقتصادي ونشاط سياسي وإرساء نظام إداري محكمة تمخض عنه تقديم خدمات حكومية ذات جودة عالية.
وكما شهدت “الخرطوم” حروباً وطنية في مواجهة الاستعمار، كانت كذلك ميدانياً لمعارك سياسية داخلية تطورات في كثيراً من الأحيان إلى مواجهات مسلحة، فقد عاشت عام 1964م أحداث دامية بسبب احتجاج الجنوبيين على تأخر وصول الوزير “كلمنت أمبورو” وانتشار شائعة اغتياله مما أحدث اشتباكات بين مجموعات الإجتماعية استمرت لأيام، كذلك في يوليو/تموز 1976م حاولت قوى المعارضة وقتها الاستيلاء على السلطة بقيادة العميد محمد نور سعد وعبر قوات قطعت الصحراء قادمة من غرب السودان والتي سميت محلياً بـ”المرتزقة” واستمرت هي الأخرى لأيام قبل تعيد سلطات جعفر نميري.
بعد (60) عاماً شهدت الخرطوم أيضا وبالتحديد في 30 يوليو/تموز 2005م اشتباكات مسلحة ذات طابع إثني عقب مقتل زعيم الحركة الشعبية ونائب الرئيس جون قرنق في حادثة تحطم مروحية غامضة، كذلك عام 2008م حاولت حركة العدل والمساواة اقتحام الخرطوم والسيطرة على السلطة لكنها فشل بعد معارك في شوارع وأزقة أمدرمان.
بعد نجاح ثورة الشعب السوداني على نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في أبريل/نيسان 2019م مرت مدينة بأيام صعبة منها فض الاعتصام وتمرد هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات، وأخيرا الحرب المروعة التي تدور راحها الآن بين الجيش وقوات الدعم السريع، شبه العسكرية.

ومن المعلوم أن الحرب الدائرة الآن تسبب في تدمير واسع لمؤسسات الدولة وتخريب ونهب لمعالم المدينة الرئيسية فقد لحقت الأضرار بالمتحف القومي ومتحف التاريخ الطبيعي والمباني الأثرية بدا من القصر الجمهوري وجامعة الخرطوم وغيرها كما طالت عمليات النهب منازل المواطنين وتسبب في تشريد ونزوح ملايين السكان، أضحت المدينة التي كانت ضاجة بالحياة وملهمة للشعراء ومركز للسياسة والتجارة والثقافة خاوية على عروشها ولا صوت يعلو فيها غير صوت المعركة.
دون كثير في الشعراء والأدباء المحليين والأجانب، كتابات مطولة في مدح الخرطوم وعن سيرتها ونشأتها، في حين تغنى مطربو البلاد بأعمال صورت جمالها وعبرت عن عشقهم لها، ووثقت لأحيائها وحاراتها وحكاياتها، ورغم التعثرات التي عاشتها وتعيشها المدينة الآن، إلا أن هناك شبه قناعة لدى ساكنيها والنازحين منها بأنها ستنهض من جديد وكأنهم يرددون مع فنان السودان الراحل عبدالكريم الكابلي حين تغنى: “هبت الخرطوم في جنح الدجى، ضمدت بالعزم هاتيك الجراح، وقفت للفجر حتى طلعا، مشرق الجبهة مخضوب الجناح، يحمل الفكرة والوعد معاً والأماني في تباشير الصباح”







